
يسري على صفحاتي البيضاء برقة. يُبيح صمتها وسكونها. يخترقها طولا وعرضا.
يتوقف أحيانا على حرف، على نقطة. يطيل التفكير، تنظر إليه صفحاتي في استغراب و دهشة. تنبو عن عينيها، تقول هل من مزيد.
يستمر القلم في التجوالِ يمنة ويسارا، سابراً أغوار صفحاتي، مُحيلاُ بياضها إلى سواد، إلى سطور لغة، إلى لا شيء...
لا تهتم صفحاتي لما يحاول القلم نقشه، رسمه أو نحته عليها، بقدر ما يستهويها تواجد القلم وملامسته لها. أحس وكأنها تقول له: لا تتوقف عند أول سطر، أكمل ما جئت مِن أجله، تحدى هذه النقطة وأكمل.
يتوقف القلم حائراً أمام جُملٍ ترفض الوصول إلى النقطة، أمام جُملٍ ترفض أن تُوقف نقطةٌ سيلها أو تعرقل سيرها.
لا تحب صفحاتي في القلم تردده، عندما يخط شيئا ويتردد، فتراه يحاول محوه من الورقة، يمضي جيئة وذهابا فوق الكلمة حتى تصير أكثر بروزاً من غيرها.
ترفض صفحاتي محاولة القلم الإنصياع للقوانين والعادات واحترام الخطوط الحمراء. صفحاتي تحب الحرية، تحب العشوائية، تحب الطبيعة والفطرة. صفحاتي تحب كل اللغات وقلمي يجيد كل الفنون.
بوصول القلم إلى السطر الأخير من صفحاتي، يحين أجلها وتموت صفحاتي. لأنها لم تعد قادرة على أن تستهوي قلماً آخر. لأنها لم تعد قادرة على تحمل حماقات وتُرهات قلم آخر.
يبتسم القلم في خبث، لأنه أنهك صفحة وأضافها إلى سجله الشخصي.
صفحاتي لا تحزن عند موتها، لأنها تحمل في طياتها، بين أضلعها حياة وأسرار قلم. لأنها تفوح برائحة المداد. الشيء الذي لا أحد قادر على محوه.
ينتقل القلم بحثا عن فريسة أخرى، بحثا عن صفحة لم يُرتع فيها مِن قبل، بحثا عن كلام جديد وحيلٍ جديدة يُغري بها صفحات جديدة.
تنتهي حياة قلمي بتوقف المداد في أورِدته فيصبح عاجزا عن التعبير عما يُخالجه، بذلك يحتل قلمي ركناً من الغرفة مع كل الأشياء غير المستعملة عندي، تضمئل حرارته شيئا فشيئا..
في حين تبقى صفحاتي طليقة، بيضاء.. إلى أن يأتي قلم آخر، بشكل آخر، بلون آخر، بعطر آخر، يملئ جوفها، يروي عطشها ويُنهي حياتها.







